ابن الجوزي

4

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : * ( سبحان ) * روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير " سبحان الله " ، فقال : " تنزيه الله عن كل سوء " ، وقد ذكرنا هذا المعنى في البقرة قال الزجاج : و " أسري " : بمعنى : سير عبده ، يقال : أسريت وسريت : إذا سرت ليلا . وقد جاءت اللغتان في البقرة ، قال الله تعالى : * ( والليل إذا يسر ) * . وفي معنى التسبيح ها هنا قولان : أحدهما : أن العرب تسبح عند الأمر المعجب ، فكأن الله تعالى عجب العباد مما أسدى إلى رسوله من النعمة . والثاني : أن يكون خرج مخرج الرد عليهم ، لأنه لما حدثهم بالاسراء ، كذبوه ، فيكون المعنى : تنزه الله أن يتخذ رسولا كذابا . ولا خلاف أن المراد بعبده هاهنا : محمد صلى الله عليه وسلم . وفي قوله تعالى : * ( من المسجد الحرام ) * قولان : أحدهما : أنه أسري به من نفس المسجد ، قاله الحسن ، وقتادة ، ويسنده حديث مالك بن صعصعة ، وهو في " الصحيحين " " بينما أنا في الحطيم " وربما قال بعض الرواة : في " الحجر " . والثاني : أنه أسري به من بيت أم هانئ ، وهو قول أكثر المفسرين ، فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام . والحرم كله مسجد ، ذكره القاضي أبو يعلى وغيره . فأما * ( المسجد الأقصى ) * فهو بيت المقدس ، وقيل له : الأقصى ، لبعد المسافة بين المسجدين . ومعنى * ( باركنا حوله ) * : أن الله أجرى حوله الأنهار ، وأنبت الثمار . وقيل : لأنه مقر الأنبياء ، ومهبط الملائكة . واختلف العلماء ، هل دخل بيت المقدس ، أم لا ؟ فروى أبو هريرة أنه دخل بيت المقدس ، وصلى فيه بالأنبياء ، ثم عرج به إلى السماء . وقال حذيفة بن اليمان : لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه ، ولا نزل عن البراق حتى عرج به . فإن قيل : ما معنى قوله [ تعالى ] : * ( إلى المسجد الأقصى ) * وأنتم تقولون : صعد إلى السماء ؟ فالجواب : أن الإسراء كان إلى هنالك ، والمعراج كان من هنالك . وقيل : إن الحكمة في ذكر ذلك ، أنه لو أخبر بصعوده إلى السماء في بدء الحديث ، لاشتد